يولا: بين البراءة المفقودة والواقع القاسي
يولا هي سيدة ناضجة ولدت في دمشق مدينتها التي تحمل في قلبها عبق التاريخ وجمال الثقافة نشأت هناك بين أزقتها العتيقة وأسواقها المزدهرة حيث تعلمت من تاريخ المدينة وأصالتها لتصبح شخصًا يجمع بين الحكمة والأنوثة بين القوة والنعومة
عاشت يولا طفولتها بكل براءتها تلعب وتضحك دون هموم حتى اصطدمت بالواقع الأليم الذي مزق قلبها كان ذلك اليوم الذي مزقوا فيه حقيبة كتبها على عتبات المدرسة يومًا قد لا يُنسى كان صوت التمزق أشد من أي كلمات وكأن العالم قد بدأ ينقض عليها فجأة ليُرغمها على مواجهة واقعٍ قاسٍ كانت بعيدة عنه
يولا تلك الطفلة ابنة السبعة عشر عامًا التي كانت تحلم بعالمٍ مليء بالأمل والفرح إلا أن الواقع جاء قاسيًا ليكسر حلمها ويسرق حقيبتها كانت تلك الحقيبة تحمل في طياتها أحلامًا وبراءة لكنها تحولت في لحظة إلى رمادٍ سقط على عتبات الزمن سرقوا منها أكثر من مجرد حقيبة سرقوا جزءًا من روحها التي كانت تحاول أن تبنيها في عالمٍ مليء بالأشواك
خطفوا آمالها ومزقوا أحلامها ونثروا كتبها على الأرض وكأنهم يقتلعون كل بذرة أمل زرعتها في قلبها في تلك اللحظة كان الفقد أعمق من أي ألم فكل ورقة وكل كلمة كانت تحمل جزءًا من روحها وكل حلم كان يمثل نبضًا في قلبها حتى فقدت ثقتها بهذه الحياة التي لم تعد سوى مشهدٍ قاسيٍ يختطف من يراهن على البراءة
وهنا بدأت حكاية يولا حينما رأت أن الطفلة التي بداخلها بدأت تموت كان ذلك التحول بداية لعهد جديد حيث تبدلت البراءة بالألم وانهارت أحلامها تحت وطأة الواقع المرير كانت ترى في عينيها بقايا الطفولة التي كانت تحلم بالعالم دون خوف ولكن مع مرور الزمن بدأ القهر يعصف بتلك البراءة فغابت ضحكتها ولم تعد تشعر بالدفء الذي كانت تلمسه في قلبها
وبدأت تجهز روحها لواقع مظلم حيث تعلمت أن الحياة لا تمنحك دائمًا ما تتمنى وأن الحلم قد يصبح سرابًا حين تشرق الشمس على وجوهٍ شاحبة تسلحت بالصبر وأخذت من الألم قوة لتواجه الأوقات الصعبة ولم يعد في قلبها سوى عزيمة لا تضعف تحارب بها كل ظلمة وتواجه بها عالمًا قاسيًا سلب منها براءتها
يولا التي فرضت عليها ظروف الحياة أن تعيش سنها في واقع أكبر من تلك الطفولة التي كانت تحلم بها في وقتٍ مبكر وجدت نفسها محاطة بأعباء ومسؤوليات يفوق عمرها حيث كانت أحلام الطفولة تُسحب منها تدريجيًا وحلت مكانها تحديات الحياة التي لا ترحم لكنها رغم كل شيء لم تترك الأمل ينسحب من قلبها بل اختارت أن تكون قوية متمسكة بكل قطعة من براءتها المفقودة لتبني عالماً جديداً يعكس قوتها ورغبتها في البقاء
وهنا أدركت يولا أن ضعفها ليس بقدر قوة الظلم الذي سرق منها أحلام الطفولة كانت كل لحظة تمر عليها تزداد وعيًا بحقيقة مؤلمة أن العالم ليس دائمًا مكانًا رحيمًا وأن الحلم قد يُغتال قبل أن يولد لكن رغم كل ذلك بدأت تجد في نفسها شجاعة لم تكن تعرفها شجاعة تستمدها من تلك الجروح التي جعلت قلبها أكثر صلابة وبالتدريج بدأت ترى أن قوتها الحقيقية ليست في الهروب من الواقع بل في تحديه والمضي قدمًا رغم كل العثرات
حينها أدركت يولا أنها كبرت مبكرًا بين واقع لا يُحتمل ومجتمع لا يعرف الرحمة كانت تلك اللحظة التي اتضحت فيها الحقيقة القاسية أن الحياة قد تجبرك على التكيف مع قسوتها حتى وإن كنت لا تملك الأدوات لذلك وجدت نفسها أمام خيارين إما أن تنكسر تحت وطأة ما لا تستطيع تحمله أو أن تقاوم وتحارب لتظل واقفة رغم كل الصعاب
بدأت يولا رحلتها القاسية التي أرغمتها أن تعيش رحلتها التي لم تكن اختيارًا بل فرضتها ظروف الحياة القاسية التي جردتها من براءتها وأحلامها الطفولية كانت تسير في طرقٍ وعرة تحمل على كتفيها أثقالًا ثقيلة من الحزن والألم لكنها لم تستسلم كل يوم كان يحمل تحديًا جديدًا وكل خطوة كانت أقوى من سابقتها حتى وإن كانت مليئة بالجروح والدموع كانت تعلم أن الحياة لا تعطي دومًا ما نريد ولكنها اختارت أن تستمر رغم كل ما فقدته
بدأت تنظر إلى المرأة في المرآة لترى أن الطفولة بدأت تختفي من معالم وجهها وكأن الزمن قد سحب معها تلك البراءة التي كانت تزين ملامحها كانت ترى في عينيها آثار الأيام الثقيلة وفي وجهها خطوطًا تروي قصصًا من المعاناة والهموم لكنها لم تشعر بالندم على ما فقدته بل على العكس كانت تشعر بأن تلك الملامح الجديدة تحمل في طياتها قوة ولدت من رحم الألم وأن كل تغير في وجهها هو شهادة على صمودها ومقاومتها لواقعٍ قاسٍ
يولا تلك الطفلة التي ارتطمت بواقع لا يرحم واقع سلب منها براءتها وأحلامها البسيطة تلك الطفلة التي حملت أعباء الحياة الثقيلة وهي لا تزال تحمل في قلبها رقة الطفولة حملت أطفالاً في حضن طفلة كيف يمكن لعمرٍ صغير أن يتحمل كل تلك المسؤوليات كيف يمكن لروحٍ بريئة أن تحمل على كاهلها هموم الكبار لكنها رغم كل شيء أصبحت مصدر قوة لم تنطفئ وجسرًا يربط بين ألم الحاضر وأمل المستقبل
لقد فاضت عيون يولا التي كانت تخفي دموعها على نافذتها الصغيرة تلك النافذة التي كانت ترى من خلالها العالم بأحلامها البريئة لكن اليوم كانت تراقب الحلم يتلاشى مع كل دمعة تنحدر على خدها كانت تلك الدموع تخبر قصة قلب محاصر بالألم وروح تتأرجح بين الأمل والواقع القاسي لقد ظنت أن تلك النافذة الصغيرة ستكون ملاذًا لها لكن مع مرور الوقت اكتشفت أن الألم لا يتوقف عند حدود الزجاج بل يطال قلبها الذي كان يصرخ بصمت
بدأت تلك الطفلة تكبر يومًا بعد يوم لتحمل بين يديها عناء الطفولة وكأنها تحمل جبلًا من الأحزان لا يراه سواها في كل يوم كانت تترك جزءًا من براءتها خلفها وتواجه واقعًا يعجز عن فهمه قلبها الصغير لم تكن الطفولة مجرد ذكريات بل كانت ثقلًا لا يمكنها التخلص منه بينما كانت تضطر لأن تكبر أسرع من الزمن الذي يسابقها ومع كل خطوة كانت تأخذها نحو النضج كانت تترك خلفها جزءًا من نفسها بحثًا عن الأمل الذي تاه في زحمة الأيام
كبرت تلك الطفلة تاركة خلفها طفولتها تاركة خلفها حقيبة مدرستها التي كانت تحمل فيها أحلامًا صغيرة وابتسامات بريئة كل زاوية في قلبها كانت تحتوي على ذكريات لكنها اجبرت على تركها خلفها كما تترك زهرة ربيعية أولى علامات ذبولها لم يعد هناك متسع لأحلام الطفولة في عالمٍ يستهلك الوقت والبراءة تركت حقيبتها وفي قلبها ألم عميق ولكنها عرفت أن رحلة الحياة لا تبدأ إلا حينما تترك الطفولة وراءها وتواجه واقعًا أكبر من أحلامها
لقد سرقوا يولا مبكرًا بأيدهم المتسخة وعيونهم التي لم تر فيها سوى قربان من السهل تجريده من براءته كان حلمها في نظرهم ضعيفًا وطفولتها مرهونة لاهوائهم القاسية لم يدركوا أن قلبًا بريئًا يحمل في طياته عالماً من الأمل وأن تلك البراءة التي حاولوا انتزاعها هي التي كانت تمثل قوتها الحقيقية سرقوا منها ما كان من المفترض أن يكون لها ولكنهم لم يدركوا أنهم لم يسرقوا إلا جزءًا من جسدها أما روحها فقد بقيت تقاوم
وها هي اليوم تجلس مجرد ظل تكبر يومًا بعد يوم تحمل على كاهلها سنوات من الألم والخذلان كل يوم يمر يعمق جرحها وكل لحظة تزداد فيها المسافة بين ما كانت عليه وبين ما أصبحت عليه لم يعد في عينيها بريق الطفولة بل أصبح هناك صمتٌ عميق يختبئ خلف كل خطوة تخطوها هي التي سرقت منها البراءة أصبحت الآن تجرجر خلفها أيامًا لا تشبهها تكبر في عالمٍ لا يعرف الرحمة
تجلس تنظر بعيون حزينة لمن حولها لأولئك الذين سرقوا أحلامها ومزقوا طفولتها في عينيها قصص لم تُروَ وآلام لا يفهمها إلا من عايشوا مرارة الحلم المكسور ترى في وجوههم اللامبالاة وفي قلوبهم قسوة لم تكترث لما سلبوه منها كان لكل حلم حلمته لحظة مسروقة ولكل ابتسامة كانت تُخبئها يومًا سيأتي ويأخذها بعيدًا لكن قلبها رغم كل ذلك لا يزال ينبض بأمل ضائع يعاند الزمن الذي لا يرحم.
وها هي يولا تجلس لتعد الأيام كطفلة على قيد الموت بعدما ضاعت أحلامها وتركت في قلبها جروحًا لا تلتئم ترسم لمن حولها ضحكة بائسة تلك الضحكة التي لا تعكس سوى حزنٍ عميق دفنته تحت طبقات من الصمت تكاد الكلمات تخونها فكل ما في قلبها كان قد انكسر قبل أن يبدأ وكل ما تستطيع فعله هو إخفاء الألم خلف ابتسامة يائسة تنتظر يومًا قد يخلصها من هذا العبث الذي يدعى الحياة
ليس لها شغل سوى أن تهب عمرها وأحلامها لمن حولها هؤلاء الذين لا حيلة لهم إلا أن يعيشوا على حساب ضحكتها تذوب كل يوم جزءًا من نفسها لتمنحهم لحظات من الفرح الوهمي بينما تظل هي في صمتٍ عميق تبحث عن قشة أمل تكاد تلامسها كل ابتسامة منها تصبح عملة متداولة يسرقها الآخرون دون أن يشعروا بثقل الثمن الذي تدفعه يعيشون على ضوءها وهي تغرق في الظلام
ها هي الطفلة يولا لا حيلة لها إلا أن تحتسي قهوتها وحدها تجلس في صمتٍ طويل تبحث عن شيءٍ يملأ فراغ أيامها تنظر إلى نفسها في المرآة فتبتسم ابتسامتها الصفراء التي لا تعرف طعم الفرح ثم تسرح شعرها الذي بدأ يشهد على مرور الوقت والألم في تلك اللحظات لا تجد سوى صورتها في المرآة صورة لم تعد تعرف من تكون صورة فتاة ضاعت بين أحلام لم تُحقّق وبين واقع لا يرحم
وها هي تموت يومًا بعد يوم في مجتمع سرق براءتها وسرق طفولتها وصنع منها رجلًا قبل أوانه كل لحظة تمضي تأخذ منها جزءًا من تلك الفتاة التي كانت تحلم وتضحك بلا هم وتترك مكانها شخصًا غريبًا يحمل على كتفيه أحمالًا تفوق سنه لقد غيّروا ملامحها وفرضوا عليها واقعًا لا تعرفه جعلوها تعيش بين رغبات الآخرين وأحلامهم بينما هي تائهة في صراعٍ مع نفسها يقتلها الزمن وتقتلها الذكريات ولا شيء يعيد إليها ما ضاع منها
في النهاية لقد سرقوا براءتها وحطموا أحلامها ليصنعوا من تحطيمها حياة لذاتهم دون أن يدركوا أن كل جزء من تلك الأحلام المكسورة كان يمثل جزءًا من روحها فبينما كانوا يبنون أنفسهم على أنقاضها كانت هي تُدفن في صمتٍ عميق تبحث عن بصيص من الضوء في عالم مليء بالظلال لكنها رغم كل ما حدث تبقى شاهدة على الحقيقة أن الحياة لا تُقاس بما سرقوه بل بما تبقى فينا من قدرة على النهوض والتغيير
وها هي اليوم لم يتبقَّ لها سوى فنجان قهوة تحتسيه وحيدة مع سيجارة ثكلى تحاول فيها أن تبتسم كل جرعة من القهوة تحمل طعم الوجع وكل نفَس من السيجارة يعمق الشعور بالفراغ وحدها في صمت الليل تجلس هناك متأملة في ذكرياتها المكسورة تحاول أن تبتسم رغم أن الابتسامة أصبحت عبئًا ثقيلًا على وجهها يأسٌ مغموس بأملٍ ضعيف فهل ستظل تحتفظ ببقية من نفسها وسط كل هذا الضياع
بقلم
عدنان عضيبات